رغمَ إدراكي لتواضعِ بضاعتي المعرفية، ومعرفتي بأنَّ كتابةَ التاريخ بحرٌ عميقٌ لا يخوضه إلا المتمرّسون، فإنّي لم أجدْ بُدًّا من اقتحامِ هذا الميدان، بعدما رأيتُ صفحاتٍ مشرقةً من تاريخِ قبيلةِ اگسيمه في موريتانيا تكادُ تُطوى في ظلالِ النسيان، لا لقلّةِ شأنها، ولكن لأنَّ كثيرًا من أهلِ الفضلِ من علمائها وأعيانها زهدوا في تدوينها، أو آثروا الصمتَ عنها تواضعًا وانصرافًا إلى ما هو أعظمُ عندهم من أمورِ العلم والدين.
ولم أجدُ في نفسي إلا حرصًا على حفظِ مآثرها وتقييدِ أخبارها، لما لها من حضورٍ علمي واجتماعي يستحقّ البيان، ولما يتهدّدُه من ضياعٍ إن تُرك دون تدوينٍ وإنصاف.
وقد علمتُ أنَّ السكوتَ الطويلَ يورثُ الغفلة، وأنَّ تاريخَ القبيلة إذا لم يكتبه أبناؤها كتبه غيرُهم بعيونٍ قد لا تُحسنُ الإنصاف، لذلك وجدتُ نفسي — على قلّةِ الزاد — مدفوعًا إلى جمعِ ما تفرّق من أخبارِها، وتقييدِ ما أوشك أن يندثر من مآثرها، وفاءً للحقّ، وصيانةً للذاكرة، وربطًا للحاضرِ بجذورِها العربية والإسلامية والعلمية.
ولئن كنتُ لستُ من أهلِ الاختصاصِ في هذا الفن، فإنَّ الحاجةَ إلى البيان قد تُلزمُ المرءَ بما لم يكن يظنُّه من شأنه، وقد قيل:
وليس يُعذَرُ امرؤٌ بكتمانِ حقٍّ
إذا غابَ أهلُ العلمِ أو قصّروا البيانَا
وقيل أيضًا:
فإن لم يقلْ أهلُ الدرايةِ قولَهم
تكلَّمَ من بالحقِّ أدركَ ما جرى
وما دفَعني إلى ذلك إلا يقيني بأنَّ كثيرًا من الصفحاتِ المضيئةِ من تاريخِ القبيلة لم تُهمَل عجزًا، بل زهدًا من أصحابها، إذ:
سكتَ الأُلى عن بعضِ مجدِ قبيلِهمْ
زهدًا، فصارَ البوحُ فرضًا لاحقَا
ولهذا رأيتُ أنَّ الوفاءَ يقتضي إحياءَ ما اندرس، وأنَّ من البرِّ بالماضي ألّا يُترك تاريخُ القبيلة مهمَلًا حتى يبهت أثره ويضعف حضوره في الذاكرة، إذ:
ولئن زَهِدَ الأوّلونَ في تدوينِ المآثر، فليس من الوفاءِ أن يُتركَ التاريخُ طيَّ الإهمال والتناسي.
وصدقَ المعنى القائل:
وما كلُّ تركٍ كان عجزًا وإنّما
يزهدُ قومٌ… ثم يأتي مَن يَصِلُ
وعلى هذا الأساس، فإني أُعلنُ عزمي على إنشاءِ مدوّنةٍ تُعنى بهذا التاريخ المشرق الذي غيّبه الزهدُ وأثقلته الجغرافيا، لتكون فضاءً مفتوحًا لكلِّ من لديه إضافةٌ أو روايةٌ أو وثيقةٌ أو شاهدٌ يفيد في خدمة هذا التراث، بعيدًا عن الخلافات، وقريبًا من الهدف العلمي الصرف؛ إذ إنَّ الغاية واحدة، وإذا اتحد الهدف سهل الوصول إلى نتيجةٍ أمتن وأصدق.
وسيكون بابُ المشاركة فيها مفتوحًا لكلِّ من أراد الإسهام، على أن يُنسب كلُّ قولٍ إلى قائله، صيانةً للعلم، وحفظًا للأمانة، وإحقاقًا للفضل.